الشيخ محمد رشيد رضا

319

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

( 1 ) الايمان بأن لهذا الكون العظيم المتقن في وحدة نظامه ، وبديع إحكامه ، ربّا إلها أبدعه وأتقنه بقدرته وحكمته بغير مساعد ولا واسطة ، فلا تأثير لغيره في شيء منه إلا ما هدى هو الناس اليه باطراد سننه في الأسباب والمسببات ، فيجب عليهم أن يعيدوه وحده ولا يشركوا به شيئا ، لا في الدعاء ولا في غيره من معاني العبادة التي بيناها في سورة الفاتحة وغيرها . وهذا الأصل هو منتهى ما يصل اليه إرتقاء العقل البشري في الاعتقاد ، وتطهير الأنفس من الخرافات والأوهام . و ( 2 ) الايمان بعالم الغيب والحياة الآخرة ذلك أن العوالم الحية التي في هذا الكون لا تنعدم من الوجود ولا تنفذ من أقطار ملك اللّه بما نراه من فساد تركيبها وذهاب صورها ، فإذا كان العدم المحض غير معقول ، والتحول في الصور مألوف منظور ، فلا غرو أن يكون للناس حياة أخرى في عالم آخر بعد خراب هذا العالم . وهذا الايمان ركن من أركان الارتقاء البشري لأنه يبعث البشر إلى الاستعداد لذلك العالم الأوسع الأكمل ، ويعرفهم بأن وجودهم أكمل وأبقى مما ينوهمون . و ( 3 ) العمل الصالح الذي ينفع صاحبه وينفع الناس فهذه الأصول الثلاثة التي جاء بها كل نبي مرسل لا يتركها إنسان بعد معرفتها والأخذ بها ، إلا ويكون منكوسا لاحظ له من الكمال في دنياه ولا في آخرته ، بل يكون من أصحاب النفوس الخبيثة والأرواح المظلمة ، التي لا مقر لها في الآخرة إلا دار الخزي والهوان كما قال تعالى وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وقد تقدم الكلام في مثل هذا كأنه تعالى يقول للمؤمنين الكارهين للقتال لا سيما في الشهر الحرام . إذا كان هؤلاء المشركون على ما ذكر من الكفر والطغيان ، ومن إيذائكم وفتنكم عن الايمان ، ومن منع إخوانكم عن الهجرة إليكم بعد طردكم من الأوطان ، ومن القصد إلى قتالكم حتى يردوكم عن دينكم ، لتخسروا دنياكم وآخرتكم ، فلا ينبغي أن تحجموا عن قتالهم عند الامكان ، ولا أن تحفلوا بانكارهم عليكم القتال في الشهر الحرام . ولما ذكر حال المشركين وحكم المرتدين ، ناسب أن يذكر جزاء المؤمنين